#معنى_قول_البزار_ليس_به_بأس
قول من قال: أن قول البزار:
"ليس به بأس أو لا بأس به" بإطلاق يعني أن الراوي يحتج به في المتابعات
والشواهد فقط غير صحيح.
ولم أقف على كلام
للأئمة قديماً من ذهب إلى هذا المذهب.
وأول من قال به هو
الشيخ أبو إسحاق الحويني وهو من المعاصرين.
وقد أطلق المعنى ولم
يفصل أو يقيد. ويعني ذلك أن كل من قال فيه البزار "ليس به بأس" لا يحتج
به إلا في المتابعات والشواهد.
ففي كتابه [النافلة
في الأحاديث الضعيفة والباطلة]، عند تخريجه لحديث: (يوشك أن يملأ الله أيديكم من
العجم...). وهو ضعف الحديث بالبراء بن يزيد الغنوي وبعلة أخرى. وذكر قول البزار في
البراء: "وليس به بأس". ثم ذكر تضعيف الأئمة للبراء، وقال: فقول البزار:
"ليس به بأس" فيه نوع تساهل، كما عرف عنه رحمه الله، ونبهت عليه في غير
موضع. على أن الحافظ نقل عن البزار أنه قال: "ليس بالقوي وقد احتمل حديثه"،
وفي هذا النقل فائدة تبين لنا أن من قال فيه البزار: "ليس به بأس" يعني
في الشواهد والمتابعات".
وسأتحدث عن هذه
المسألة في أربعة محاور باختصار:
أولاً: الإشارة إلى
نقاط مهمة من منهج الإمام البزار في كتابه [البحر الزخار].
ثانياً: الكلام عن
لفظ "ليس به بأس أو لا بأس به".
ثالثاً: لفظ
"ليس به بأس" عند البزار.
رابعاً: مناقشة
الراوي الذي ذكره الشيخ أبو إسحاق الحويني.
أولاً: الإشارة إلى
نقاط مهمة من منهج الإمام البزار في كتابه [البحر الزخار].
1- أن كتاب البحر
الزخار للبزار هو كتاب يكشف فيه المؤلف عن العلل الواردة في الأحاديث النبوية...
قال الخطيب البغدادي:
"كان ثقة حافظاً، صنف المسند وتكلم على الأحاديث وبين عللها".
2- البزار يحكم على
الرواة بنفسه، ولم ينقل أقوال العلماء الآخرين إلا قليلاً.
3- والبزار في الحكم
على الرواة لا يستعمل الألفاظ الغليظة كالكذب والوضاع، بل هو لطيف العبارة فيقول
مثلاً: "ليس بالقوي" أو "لين الحديث" أو "منكر
الحديث". أو أجمع أهل العلم بالنقل على ترك حديثه، مع أن العلماء الآخرين
كذبوه أو قالوا فيه: متروك.
4- كما أنه يذكر أنه
إذا روى اثنان أو أكثر عن راو فإنه ترتفع الجهالة عنه.
ويستحسن هنا أن أنقل
قول الشيخ مقبل الوادعي في [المقترح].
سئل الشيخ مقبل الوادعي في [المقترح]، عن ابن القطان الفاسي والبزار، إذا
وجدنا راويًا لم يوثقه غيرهما أو أحدهما، أليس من التواضع أن يكون حكمه مقبولاً
حيث يتابع كما يفعل الحافظ في كثير من التراجم أم ماذا تقولون؟.
الجواب: إذا وثقا فهما معتبران، إذا رأينا حديثًا في كتابيهما أو في كتبهما
من طريق راو روى عنه جماعة، لم يوثقه معتبر، وليس مشهورًا بالطلب.
أو رأيناهما صححا هذا الحديث فيتوقف فيه، يعني عرفت قاعدتهما بحسب ما قرأته
في التصحيح لا في التوثيق نفسه، فإذا وجدناهم قد صححا حديثًا فيه راو روى عنه
جماعة ولم يوثقه معتبر ولم يشتهر بالطلب توقفنا في تصحيحه. ثم إنه قد علم تساهل
البزار في التوثيق وكذا في التصحيح.
ثانياً: الكلام عن
لفظ "ليس به بأس أو لا بأس به".
يأتي هذا اللفظ في
المرتبة الثالثة من مراتب التعديل. وهو من جملة مراتب الاحتجاج كما صرح بذلك كثير
من أهل العلم، وهو الظاهر من استعمال الكثير منهم، ولو كان هذا اللفظ فيه شريطة
الضبط لارتفع إلى المرتبة الثانية، ولو كانت أخطاء الراوي كثيرة لقالوا فيه
"صدوق سيء الحفظ" أو غير ذلك من العبارات التي تدل على تليينه، فلعدم
تمام الضبط وعدم التصريح بالغلط كان أهل هذه المرتبة في الوسط وهي مرتبة الحسن
لذاته، وأما قول خلاف الأكثر فيلزم منه أن الحديث إما أن يكون صحيحاً لذاته أو
ضعيفاً فقط فأين منزلة الحسن لذاته؟. والمسألة اصطلاحية.
ولنعلم أن أقوال أئمة
الجرح والتعديل في الرواة تختلف حسب درجات الرواة وقوتهم وحسب ما يظهر للمجرح أو
المعدل... إلى تفاصيل كثيرة في هذا.. والله أعلم.
أنظر كتاب [شفاء
العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل].
ثالثاً: لفظ
"ليس به بأس" عند البزار.
لقد تتبعت لفظ:
"ليس به بأس، أو لا بأس به" عند البزار فوجدت أنه يطلقه على رواة نُقل
عن النقاد:
- تجريحهم: وهؤلاء على
قسمين:
1- أن يطلق البزار
لفظ "ليس به بأس".. 2- أو يقرنه بتجريح.
- أو تجهيلهم.
وهؤلاء. على قسمين:
1- نُقل عن بعض
النقاد تجهيلهم وقال البزار فيهم "ليس به بأس".
2- لم يُنقل عن أحدٍ
من النقاد تجهيلهم وقال البزار فيهم "ليس به بأس".
- أو تعديلهم.
- أو رواة اختلفوا
فيهم جرحاً وتعديلاً.
وسأتكلم عن الرواة
الذين نُقل عن النقاد تجريحهم قال فيهم البزار: "ليس به بأس، أو لا بأس
به".
أما ما نقل عن النقاد
من تعديل الرواة وقال فيهم البزار "ليس به بأس". فلا أتكلم فيه، لأنه يُحمل
على المعنى الأصلي العام للفظ "ليس به بأس أو لا بأس به" عند علماء
الجرح والتعديل، وهو في الحديث الحسن لذاته. فهذا اللفظ هو مرتبة من مراتب
التعديل. كما ذكرت ذلك في المحور الثاني.
وأما الجهالة، فهي
على قسمين:
القسم الأول: نُقل عن
بعض النقاد تجهيل الرواة وقال البزار فيهم "ليس به بأس":
فهؤلاء يدخلون في باب
المختلف فيهم بين الجهالة والتعريف.
ذلك لأن توثيق البزار
يعتبر به، بقيود كما بينت ذلك في المحور الأول، ويكون الراوي حسن الحديث. ويبقى النظر
في مسألة الترجيح بين الأقوال، بحسب قرائن الترجيح.
أو يُحمل قول البزار على
التوثيق في التدين والعبادة، خاصة إذا وجدت قرينة تقوي هذا الحمل.. والله أعلم.
ويمكن التمثيل لهذا
القسم بالحارث بن غسان
قال البزار في حديث (5184): "وهو رجل من أهل البصرة ليس به بأس".
بإطلاق.
وقال في حديث (7388): "ليس به بأس قد حدث عنه جماعة من أهل العلم".
قال أبو حاتم: "شيخ مجهول". وقال العقيلي: "وقد حدث هذا
الشيخ بمناكير".
وقال الأزدي: "ليس بذاك". وذكره ابن حبان في "الثقات".
[الجرح والتعديل، الضعفاء الكبير، لسان الميزان].
فهذا الراوي اختلف فيه فجهله أبو حاتم ولكن قال قبله شيخ. وضعفه العقيلي والازدي.
وبتضعيف العقيلي والأزدي ارتفعت الجهالة عنه إلى التعريف بحاله بأنه ضعيف.
وحينئذ يُحمل قول البزار "ليس به بأس" على الصلاح وقد وردت قرينة
تقوي هذا المعنى وهي قول أبي حاتم: "شيخ". وكذلك ذكر ابن حبان له في
الثقات.. والله أعلم.
القسم الثاني: لم
يُنقل عن أحدٍ من النقاد تجهيل الرواة وقال البزار فيهم "ليس به بأس":
ويمثل لهذا القسم بعبد العزيز بن السري
قال البزار في حديث (6692): "مشهور ليس به بأس". بإطلاق.
روى له: أبو داود. وروى عنه جماعة.
قال ابن حجر: "مقبول".
[تهذيب الكمال، تقريب التهذيب].
وتوثيق البزار معتبر
بقيود منها أن يروي عن الراوي اثنان فأكثر، كما ذكرت ذلك في المحور الأول.
وهذا الراوي روى عنه
جماعة.
ولكن احتياطاً يقال
أنه يحتج به في الشواهد والمتابعات، وهذا ما ذهب إليه ابن حجر فقال:
"مقبول" أي: يتابع وإلا فهو لين الحديث.. والله أعلم.
* رواة نُقل عن النقاد
تجريحهم: وهم على قسمين:
الأول: من قال فيهم ليس
به بأس مقروناً بتجريح.
الثاني: من قال فيهم
ليس به بأس مطلقاً.
وقول البزار "ليس
به بأس، أو لا بأس به" إذا أطلقه على الراوي وقد نُقل تضعيفه عن جمع من النقاد.
أو يقرن لفظ "ليس به بأس"، بتضعيف في الراوي وقد نُقل تضعيفه عن جمع من النقاد.
فإنه أراد بذلك أن الراوي صالح في نفسه أو في المتابعات والشواهد، على حسب درجة
التجريح في الراوي وقد شارك البزار بعض الأئمة في صنيعه هذا.
ويمثل لذلك:
- موسى بن عبيدة
الربذي، أبو عبد العزيز.
قال البزار في حديث
(20): "متعبد حسن العبادة وليس بالحافظ، وأحسب إنما قصر به عن حفظ الحديث فضل
العبادة".
وقال في حديث (20م):
"لم يكن به بأس، ولكن لم يكن حافظاً للحديث، وقد روى عنه أهل العلم".
وقال في حديث (39):
"وقد تقدم ذكرنا لموسى بن عبيدة في تشاغله بالعبادة عن تحفظ الحديث".
وقال في حديث (97):
"أن موسى بن عبيدة قد ذكرناه أن في حديثه نكرة وخطأ، كانت له عبادة تشغله عن
تحفظ الحديث، وغيرنا من أصحاب الحديث يضعف موسى بن عبيدة ولا يحتج به، ولكن ذكرناه
لعبادته بأحسن ما يذكر مثله لنرجو بذلك السلامة".
وقال في حديث (3889):
"وموسى كان من خيار الناس وعبادهم".
وقال في حديث (6131):
"وموسى بن عبيدة أحد العباد ولم يكن حافظا للحديث لتشاغله بالعبادة فيما نرى
والله أعلم".
فتبين مما سبق من
أقوال البزار في موسى بن عبيدة أنه يرى تضعيفه ولكن قال فيه "ليس به
بأس" ويُحمل قوله على الصلاح وحسن العباد كما أشار إلى ذلك..
أقوال النقاد في موسى
بن عبيدة
ويلاحظ في أقوالهم أن
البزار قد شارك الإمام أحمد بن حنبل وابن معين وغيرهما في هذا المعنى.. بل قال ابن
معين: "إنه يكتب من حديثه الرقاق".
قال الجوزجاني: سمعت
أحمد بن حنبل يقول: لا تحل عندي الرواية عن موسى بن عبيدة. قال: فقلت: يا أبا عبد
الله لا تحل؟ قال: عندي، قلت: فإن سفيان يروي عن موسى بن عبيدة، و يروي شعبة عنه
يقول: حدثنا أبو عبد العزيز الربذي؟ قال: لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه".
وقال البخارى: قال
أحمد: "منكر الحديث". وفي رواية لأحمد قال: "كان لا يحفظ الحديث".
وفي رواية قال: "فلم يكن به بأس، ولكنه حدث بأحاديث منكرة عن عبد الله بن
دينار". وهو رأي ابن معين في رواية له.
وقال ابن معين:
"لا يحتج بحديثه". وفي رواية قال: "ضعيف". وفي رواية قال:
"ليس بشيء". وفي رواية قال: "وإنما ضعف حديثه لأنه روى عن عبد الله
بن دينار أحاديث مناكير". وقال: "إلا أنه يكتب من حديثه الرقاق".
وقال يعقوب بن شيبة: "صدوق،
ضعيف الحديث جداً، ومن الناس من لا يكتب حديثه لوهائه، وضعفه، وكثرة اختلاطه، وكان
من أهل الصدق".
وقال الساجي: "منكر
الحديث، وكان رجلاً صالحاً. وكان القطان لا يحدث عنه، وقد حدث عنه وكيع، وقال: كان
ثقة. وقد حدث عن عبد الله بن دينار أحاديث لم يتابع عليها.
وقال ابن سعد: "كان
ثقة، كثير الحديث، وليس بحجة".
وقال أبو داود:
"وأحاديث موسى مستوية إلا أحاديثه عن عبد الله بن دينار".
وضعفه علي بن المدينى،
وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذي، والنسائي، وابن قانع، وابن حبان.
وقال ابن عدي: "وهذه
الأحاديث التى ذكرتها لموسى بن عبيدة بأسانيد مختلفة مما ينفرد بها من يرويها عنه،
وعامة متونها غير محفوظة، وله غير ما ذكرت من الحديث، والضعف على رواياته بين".
وقال أبو أحمد الحاكم:
"ليس بالقوي عندهم".
قال الذهبي:
"ضعفوه". وقال ابن حجر: "ضعيف و لا سيما فى عبد الله بن دينار، وكان
عابداً".
[تهذيب الكمال،
والكاشف، وتهذيب التهذيب، وتقريب التهذيب].
- يوسف بن عبدة
قال البزار في الحديث (6632): "مشهور ليس به بأس". بإطلاق من دون
أن يقرنه بتجريح.
قال ابن معين: "ثقة". وذكره ابن حبان فى كتاب "الثقات"
.
وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: يوسف بن عبدة أبو عبدة، كيف هو؟ قال: له
أحاديث مناكير عن حميد وثابت، وكأنه ضعفه. وقال أبو حاتم: "شيخ ليس بالقوي
ضعيف". وقال العقيلي: "له مناكير".
روى له البخاري فى "الأدب"، والترمذي.
وقال الذهبي: "ثقة". وقال ابن حجر: "لين الحديث".
[تهذيب الكمال، الكاشف، تهذيب التهذيب، تقريب التهذيب].
ويلاحظ من أقوال أهل العلم في يوسف بن عبدة أن ابن معين وثقه. ويمكن حمله
على الديانة والصلاح. وقد أشار أبو حاتم إلى ذلك بقوله: "شيخ، ليس
بالقوي".
أو يمكن حمله على الاحتجاج به في الشواهد والمتابعات. لأن الضعف هنا يسير
وليس بالشديد.. والله أعلم.
رابعاً: مناقشة
الراوي الذي ذكره الشيخ أبو إسحاق الحويني.
وهو البراء بن يزيد
الغنوي:
وهو من القسم الأول من
قال فيهم البزار "ليس به بأس" مقروناً بتجريح. في رواة نُقل عن النقاد تجريحهم.
قال البزار في حديث (188): "ليس بالقوي، وقد احتمل حديثه، وروى عنه
جماعة".
وقال في حديث (7204): "ليس به بأس قد حدث عنه جماعة كثيرة من أهل
العلم واحتملوا حديثه".
فهنا يُحمل قول البزار "ليس به بأس" في هذا الراوي على الصلاح
والعبادة. لأنه قرنه بتجريح.
وقد ورد عن ابن معين توثيقه.
ذكر ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين: البراء بن يزيد الغنوي يحدث عنه
البصريون، التبوذكي وغيره، وهو ثقة.
ووصفه بعض النقاد بأنه عابد.
قال البخاري وابن أبي حاتم: "البراء بن يزيد، العابد الغنوي". وقال
ابن خلفون في كتابه (الثقات): "هو عندي في الطبقة الرابعة من المحدثين، وكان
عابداً".
وقال الآجري عن أبي داود: "ليس به بأس، ثنا عنه مسلم".
وقال ابن عدي: "ليس له كبير حديث، وهو عندي أقرب إلى الصدق منه إلى الضعف".
وقد ضعفه أحمد بن حنبل. وقال ابن معين: "ولم يكن حديثه بذاك".
وقال في رواية: "ضعيف". وفي رواية: "ليس بذاك".
وقال النسائى: "يروي عن أبى نضرة، ضعيف". وقال يعقوب بن سفيان:
بصري لين. وقال أبو بشر الدولابي: لم يكن حديثه بذاك.
وذكره الساجي والعقيلي والبلخي وابن شاهين والقيرواني في جملة الضعفاء.
وقال ابن حبان: "وهذا ضعيف، وكان هذا الغنوي كثير الاختلاط بمن لا
يليق به، كثير الوهم فيما يرويه".
وقال أبو الوليد: "لا أروى عن البراء بن يزيد; هو متروك".
روى له البخارى فى"الأدب" حديثاً واحداً.
وقال ابن حجر: "ضعيف".
[التاريخ الكبير، تهذيب الكمال، إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي، تهذيب
التهذيب، تقريب التهذيب].
هذا ما تبين لي في
هذه المسألة.. والله أعلى وأحكم.. وما كان من صواب فمن الله وما كان من خطأ فمن
نفسي والشيطان..